صديق الحسيني القنوجي البخاري
33
فتح البيان في مقاصد القرآن
ولتنقيح البحث والكلام على أطرافه استدلالا وردا وتعقبا ودفعا ، ورواية ودراية موضع غير هذا ، وقد استوفاه الشوكاني في شرحه للمنتقى ، وله جواب عن سؤال نظما ونثرا . ومتعلق الباء محذوف وهو اقرأ أو اتلو ، وتقديم المعمول للاعتناء به والقصد إلى التخصيص ، ويظهر رجحان تقدير الفعل متأخرا في مثل هذا المقام ولا يعارضه قوله تعالى : اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ [ العلق : 1 ] لأن المقام مقام القراءة فكان الأمر بها أهم ، وأما الخلاف بين أئمة النحو في كون المقدر اسما أو فعلا فلا يتعلق بذلك كثير فائدة ، والباء للاستعانة أو للمصاحبة تبركا ، ورجح الثاني الزمخشري ، والاسم هو اللفظ الدال على المسمّى ، ومن زعم أن الاسم هو المسمى كما قاله أبو عبيدة وسيبويه والباقلاني وابن الفورك ، وحكاه الرازي عن الحشوية والكرامية والأشعرية ، فقد غلط غلطا بينا ، وجاء بما لا يعقل مع عدم ورود ما يوجب المخالفة للعقل لا من الكتاب ولا من السنة ولا من لغة العرب ، بل العلم الضروري حاصل بأن الاسم الذي هو أصوات منقطعة وحروف مؤلفة غير المسمى الذي هو مدلوله ، والبحث مبسوط في علم الكلام . وثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة أن للّه تسعة وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنة « 1 » ، وقال اللّه عز وجل : وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها [ الأعراف : 180 ] وقال تعالى : قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى [ الإسراء : 110 ] . اللَّهِ علم عربي مرتجل جامد عند الأكثر ، خاص لذات الواجب الوجود تفرد به الباري سبحانه لم يطلق على غيره ، ولا يشركه فيه أحد ، وعند الزمخشري اسم جنس صار علما بالغلبة ، والأول هو الصحيح ، ولم يقل باللّه للفرق بين اليمين والتيمن ، أو لتحقيق ما هو المقصود بالاستعانة ههنا فإنها تكون تارة بذاته تعالى وتارة باسمه عز وعلا ، فوجب تعيين المراد بذكر الاسم وعند المحققين أنه اسم اللّه الأعظم ، وقد ذكره اللّه تعالى في ألفين وثلاثمائة وستين موضعا من القرآن . الرَّحْمنِ من الصفات الغالبة لم يستعمل في غير اللّه عز وجل ، وقال أبو علي الفارسي الرحمن اسم عام في جميع أنواع الرحمة يختص به اللّه تعالى الرَّحِيمِ إنما هو في جهة المؤمنين قال تعالى : وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً [ الأحزاب : 43 ] وعن ابن عباس قال هما اسمان أحدهما أرق من الآخر ، وقيل معناهما ذو الرحمة جمع بينهما
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الدعوات باب 69 ، ومسلم في الذكر حديث 5 ، 6 ، وابن ماجة في الدعاء باب 10 .